
حققت المملكة العربية السعودية نسبة 85% من المعاملات غير النقدية في عام 2025، متجاوزةً مستهدف رؤية 2030 البالغ 70% قبل الموعد المحدد بسبع سنوات.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الإنجاز مجرد نجاح في قطاع المدفوعات الرقمية. لكن في الواقع، يعكس تحولاً أعمق يتمثل في بناء بنية تحتية مالية رقمية متكاملة قادرة على دعم الجيل القادم من منتجات التقنية المالية، وأسواق الائتمان، والخدمات المالية القائمة على البيانات.
تكمن أهمية هذا الإنجاز ليس في النسبة نفسها، بل في المنظومة التي مكّنت الوصول إليها، والفرص التي تفتحها للمستقبل.
لم يحدث التحول نحو المدفوعات الرقمية بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية المالية.
في قلب هذه المنظومة يأتي نظام سريع (SARIE)، الذي أصبح أحد أهم ركائز المدفوعات الفورية في المملكة، موفراً تسوية لحظية للمدفوعات على مدار الساعة، ومساهمًا في تقليل الاحتكاك المالي بين الأفراد والشركات.
إلى جانبه، تطورت شبكة مدى (MADA) لتصبح العمود الفقري لمنظومة المدفوعات المحلية. فمن خلال أكثر من 1.7 مليون جهاز نقاط بيع ومليارات العمليات السنوية، أصبحت مدى جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي اليومي. كما يعكس النمو المتسارع في معاملات التجارة الإلكترونية عبر الشبكة التحول المتزايد في سلوك المستهلك السعودي نحو القنوات الرقمية.
أما سداد (SADAD)، فقد لعب دوراً محورياً في رقمنة مدفوعات الفواتير والخدمات الحكومية والخاصة، ما أسهم في تسهيل العمليات المالية وتعزيز الاعتماد على القنوات الرقمية.
مجتمعةً، شكّلت هذه الأنظمة البنية التحتية الأساسية التي سمحت للاقتصاد السعودي بالانتقال إلى مجتمع تقل فيه الحاجة إلى النقد بشكل متزايد.
البنية التحتية وحدها لا تكفي لتحقيق التحول الرقمي، فالإطار التنظيمي كان عاملاً حاسماً في تسريع تبني المدفوعات الرقمية.
تميّز النهج السعودي بأن التنظيم لم يكن مجرد أداة للرقابة، بل أصبح وسيلة لتسريع الابتكار وتوسيع نطاقه.
إطار الخدمات المصرفية المفتوحة (Open Banking) أتاح الوصول المنظم إلى البيانات المالية وخدمات بدء المدفوعات، مما وضع الأساس لمنظومة مالية أكثر ترابطاً وتنافسية.
كما أسهمت تراخيص مزودي خدمات المدفوعات (PSP) في توسيع دائرة المشاركة بالسوق، عبر تمكين جهات غير مصرفية من تقديم خدمات مالية على نطاق واسع، وتعزيز المنافسة إلى جانب المؤسسات المالية التقليدية.
أما على مستوى التجار، فقد ساعدت مبادرات مثل برنامج القبول الشامل (Universal Acceptance Program) في معالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه المدفوعات الرقمية عالميًا، وهو توسيع قبول وسائل الدفع الإلكترونية لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة وفي المدن الأقل كثافة.
النتيجة لم تكن فقط زيادة عدد شركات التقنية المالية، بل بناء بيئة متكاملة جعلت المدفوعات الرقمية أكثر سهولة وانتشاراً وجدوى اقتصادية.
لعبت التركيبة السكانية للمملكة دورًا محوريًا في تسريع تبني المدفوعات الرقمية.
فالسعودية تمتلك واحدة من أكثر الفئات السكانية شباباً في المنطقة، إلى جانب معدلات مرتفعة جدًا في استخدام الهواتف الذكية. وقد ساهم ذلك في خلق قاعدة واسعة من المستخدمين المستعدين لتبني الخدمات المالية الرقمية بشكل طبيعي وسريع.
كما عزز انتشار المحافظ الرقمية هذا التحول، لتصبح المدفوعات الإلكترونية جزءاً من الحياة اليومية، بينما تراجع الاعتماد على النقد تدريجياً.
وجاءت جائحة كوفيد-19 لتسرّع هذا المسار بشكل أكبر، حيث أصبحت المدفوعات اللاتلامسية خياراً افتراضياً للكثير من المستهلكين. والأهم أن هذه السلوكيات استمرت حتى بعد انتهاء الجائحة.
الأثر الأهم لوصول الاقتصاد إلى نسبة 85% من المعاملات غير النقدية لا يتعلق بالمدفوعات نفسها.
بل يتعلق بالبيانات.
فكل عملية رقمية تترك أثراً يمكن الاستفادة منه لفهم السلوك الاستهلاكي، وأنماط الإنفاق، والقدرة الائتمانية، والعلاقات المالية للأفراد والشركات.
وعند توافر هذه البيانات على نطاق واسع، يصبح بالإمكان تطوير خدمات مالية أكثر دقة وكفاءة، سواء في تقييم المخاطر أو تخصيص المنتجات أو اتخاذ القرارات الائتمانية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في قطاع التمويل والإقراض، حيث أصبحت البيانات السلوكية عنصرًا متزايد الأهمية في تقييم الجدارة الائتمانية إلى جانب النماذج التقليدية.
عند النظر إلى التطورات الأخيرة في قطاع التقنية المالية السعودي من هذا المنظور، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
فالنمو الذي تشهده شركات مثل Tamara وTabby وHALA لا يعكس فقط ارتفاع الطلب على الخدمات المالية الرقمية، بل يعكس أيضًا نضوج منظومة متكاملة تقوم على المدفوعات الرقمية، والتحديث التنظيمي، والقدرات المتقدمة في توظيف البيانات.
ومع تطور السوق، من المرجح أن تنتقل المنافسة تدريجياً من التركيز على اكتساب المستخدمين أو معالجة المدفوعات إلى مجالات أكثر تعقيدًا، مثل البنية التحتية الائتمانية، ونماذج إدارة المخاطر، والتمويل المدمج، والخدمات المالية المدفوعة بالبيانات.
إذا كانت المرحلة الأولى من رحلة التقنية المالية في السعودية تتمحور حول رقمنة المعاملات، فإن المرحلة التالية قد تتمحور حول الاستفادة من الذكاء الاقتصادي الناتج عن تلك المعاملات.
ولهذا السبب، فإن نسبة 85% ليست مجرد إحصائية. إنها مؤشر على أن الأسس اللازمة لبناء نظام مالي أكثر ذكاءً واعتماداً على البيانات أصبحت موجودة بالفعل.